ابن عجيبة

105

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

شهواتكم وحظوظكم ، ( وفي ذلكم بلاء من ربكم عظيم ) . قال تعالى : وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ . . . . وباللّه التوفيق ، وهو الهادي إلى سواء الطريق . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 50 ] وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ( 50 ) ثم ذكّرهم الحق تعالى نعمة أخرى ؛ وهي فلق البحر وإغراق العدو ، فقال : يقول الحق جل جلاله : واذكروا أيضا حين فَرَقْنا بسببكم الْبَحْرَ ، حين فررتم من عدوكم ، فسلكتم فيه اثنى عشر مسلكا يابسا ، حتى خلصتم إلى الشام ، فلما أدرككم عدوّكم ، واستتمّ دخوله فيه ، أطبقنا عليهم البحر فَأَنْجَيْناكُمْ وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ وأنتم تعاينون غرقهم وهلاكهم ، فاشكروا هذه النعم التي أنعمت بها على أسلافكم ، واتبعوا أحسن ما أنزل إليكم من ربكم على نبي أمي ، لم يكن له علم بهذا ، حتى علمه بالوحي من ربكم . الإشارة : قال بعض الحكماء : ( الهوى بحر لا ساحل له إلا الموت ) . فلا يقطع بحر الحظوظ والعوائد ، إلا الخواص ، الذين منّ اللّه عليهم بسلوك الطريقة ، والغرق في بحر الحقيقة ، على يد رجال جمعوا بين الشريعة والحقيقة ، فيقول الحق - جل جلاله - لمن تخلّص من بحر هواه ، وأفضى إلى مشاهدة مولاه : اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم ؛ حيث خلصتكم من بحر الشهوات والعوائد ، وأطلعتكم على أسرار العلوم وذخائر الفوائد ، وأغرقنا فيه من تكبر وطغى ، وأنت تنظرون ما فيه الناس من غم الحجاب وسوء الحساب ، في بحر لجي يغشاه موج الذنوب ، من فوقه موج الحظوظ ، من فوقه سحاب الأثر ، إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل اللّه له نورا فما له من نور . وباللّه التوفيق . ثم ذكّرهم نعمة التوراة التي أنزلها على موسى ، وفي ضمنه التوبيخ على عبادة العجل ، فقال جل جلاله : [ سورة البقرة ( 2 ) : الآيات 51 إلى 53 ] وَإِذْ واعَدْنا مُوسى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظالِمُونَ ( 51 ) ثُمَّ عَفَوْنا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ( 52 ) وَإِذْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَالْفُرْقانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ( 53 ) قلت : ( أربعين ) : مفعول لواعدنا ، لا ظرف ، و ( العجل ) : مفعول أول ، والثاني محذوف ، أي : اتخذتموه إلها ، و ( الفرقان ) : معطوف على ( الكتاب ) .